القاضي عبد الجبار الهمذاني

120

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عليه ، فلا يجوز أن يجتمع في قلوبنا أن أحدهما يتدين ببطلان نسخ الشريعة ، والآخر يتدين بصحتها ، لأن ذلك يوجب اجتماع الاعتقادات المتضادة في قلوبنا ، وهذا كما لا يصح أن نعتقد صحة ما يقوله من يذهب إلى أن اللّه تعالى يرى ، مع اعتقادنا صحة قول من يقول : إنه لا يرى ، لأن ذلك يتناقض ، ولا يمكنهم أن يدعوا أنه لم يحصل في قلوبنا اعتقاد نبوّة محمد صلى اللّه عليه ، وصدقه ، وأن من دينه أن شريعته ناسخة ، لأن ذلك كما نعلمه من أنفسنا يعلمونه منا ، كما تعلم المذاهب الظاهرة ممن يعتقدها . فإن قال : أليس في جملة أهل ملتكم من يعتقد ورود نبىّ بعد نبيكم ، وإن كان اعتقاد أن لا نبىّ بعده قد تحصل في قلب جميعكم ، على جهة الاضطرار ، من مذهب محمد عليه السلام ؟ . قيل له : إن الّذي تحكى هذه المقالة عنهم عدد يسير ، وإنما تحكى عن الواحد والاثنين حكاية غير ظاهرة ، وغير ممتنع ممن هذه حاله أن يجحد ما نعلمه باضطرار ، أو يكذب فيما يعتقده ، وليس كذلك حال الجمع العظيم ، لأنه لا يجوز فيه أن يجحد ما يعلمه ، أو يكذب فيما يظهره ، من المذاهب ، أو يكتم ذلك ؟ . وقد بينا ذلك فيما تقدّم ، في الأخبار ، ولولا صحة ذلك لما عرفنا اختلاف المذاهب ، وتدين أربابها بها ، وليس في جملة المذاهب أظهر مما عليه المسلمون ، في اعتقادهم نبوّة محمد ، صلى اللّه عليه وصدقه فيما يدّعيه وأن من دينه ، أن لا نبي بعده ، وهذا بين فيما أردناه . فإن قالوا : إن الحجة بما نقلناه عن موسى عليه السلام لازمة لكم ، وإنما لم يقع العلم الضروري لأنكم سبقتم إلى اعتقاد فاسد ؛ وهو اعتقاد نبوّة نبيكم ، وأن شريعته